يوسف المرعشلي
826
نثر الجواهر والدرر في علماء القرن الرابع عشر
مجلس الشورى سنة 1919 م ، وكانت مهمة هذا المجلس تنظيم سياسة البلاد ، وإدارتها ، وتأليف حكومتها ، ثم عيّن رئيسا للمجلس واستمر في رئاسته حتى عام 1924 م ، حينما حلّه الفرنسيون بعد أن ضاقوا به . وشغل في أثناء ذلك منصب أستاذ في معهد الحقوق العربي ( كلية الحقوق ) منذ تأسيسه عام 1923 م ، فدرّس مجلة الأحكام العدلية ، وأحكام الأوقاف ، وترك أعمق الآثار في نفوش طلابه وزملائه ، وكان يدرّس النص من خلال أهداف روح التشريع . ولما التهبت البلاد بالثورة السورية 1926 م شددت السلطات الرقابة عليه وعلى أعضاء مجلس الشورى ، فاضطر للإقامة ببيروت مدة ، وعاد بعد انتهاء الثورة السورية إلى دمشق ، فعيّن قاضيا شرعيا ممتازا سنة 1345 ه ، وبقي فيها حتى سنة 1359 ه حين عيّن رئيسا لمحكمة التمييز الشرعية مدى الحياة ( مستثنّى من قانون التقاعد ) بسبب علمه وكفاءته واستقامته . ثم ألغي هذا الاستثناء مع انقلاب حسني الزعيم 1369 ه / 1949 م الذي ألغى جميع الاستثناءات ، فأحيل على التقاعد بعد أن خدم الأمة بما يزيد عن سبعين عاما . والجدير بالذكر أنه قيل لحسني الزعيم : « إنك لن تستطيع أن تبدّل في قوانين المحاكم إلا بإقالة الشيخ الأسطواني » فألغى الاستثناءات كلها ليقيله هو . بعد ذلك لزم داره ، وعكف على مطالعة الكتب ومجالس العلم والأدب ، وكان له في أواخر حياته مجلس أسبوعي مع كبار الشخصيات العلمية والسياسية منهم الرئيس محمد علي العابد ، والرئيس هاشم الأتاسي ، ورئيس البرلمان فارس الخوري ، وغيرهم من شيوخ العلم والسياسة والأدب ، وعرف مجلسهم هذا باسم ( مجلس الشيوخ ) ، الذي كان له تاريخ حافل أسهم في تهيئة الرأي العام ضد المحتلين . والوطن عنده عزيز يحتاج إلى صيانة ونصح ؛ فقد زاره في عهد الانتداب بعض العلماء يطلبون إليه التوجه للجامع الأموي للدعاء ، وكانت الطائرات الفرنسية تضرب المدينة فانتهرهم وقال : « الدعاء على الأعداء صنيع المقعدين والعدو بحاجة إلى مقاومة ، فإلى السلاح » . وزاره في بيته رئيس الجمهورية عام 1936 م في بداية عهد الاستقلال وكان معه أقطاب الكتلة الوطنية ، وطلبوا نصحه وإرشاده ، فنصح لهم وحذّرهم من اتخاذ البطانة السيئة التي تضرّ بهم ، وتعين المستعمر عليهم ، مستشهدا بالآية الكريمة : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطانَةً مِنْ دُونِكُمْ لا يَأْلُونَكُمْ خَبالًا وَدُّوا ما عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضاءُ مِنْ أَفْواهِهِمْ وَما تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآياتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ ( 118 ) [ آل عمران : 118 ] . وبالحديث الشريف المروي في صحيح البخاري عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أنه قال : « ما بعث اللّه نبيا ولا استخلف خليفة إلا كانت له بطانتان ؛ بطانة تأمره بالخير وتحضّه عليه ، وبطانة تأمره بالسوء وتحضّه عليه ، والمعصوم من عصمه اللّه » . فلما أتم حديثه أخذ سعد اللّه الجابري يد الشيخ فقبّلها ، ثم تبعه الآخرون . وكان المترجم يقول : « من أراد عزا بلا عشيرة ، وهيبة بلا سلطان فليخرج من ذل معصية اللّه إلى عز طاعته » . تهتز نفسه اهتزاز الأدباء ، فينظم رائع الشعر ومن آخر ما نظم قوله : آمنت باللّه العظيم جلاله * والرّسل والأملاك والقرآن وبسائر الكتب التي قد أنزلت * والبعث يوم الحشر والميزان آمنت بالقدر الإلهي خيره * مع شرّه من خالق الأكوان أرجوك يا مولاي نظرة رحمة * أنجو بها يا واسع الغفران عهدي بأنك لا تعذّب شيبة * شابت بدين الحقّ والإيمان فاختم مدى أجلي بحسن سعادة * فلك البقاء وكلّ شيء فان ومن شعره تشطيره للبيتين اللذين طلب منه تشطيرهما إمام السادة الشافعية في الحرم المدني الشيخ محمد جمال الدين فقال : مدينة خير الخلق تحلو لناظري * بمجلا جمال أخجل البدر والرقا